قصة سيدنا شعيب

مَدْيَن ده اسم قرية عربية في أرض مَعَان [ في الأردن] , تقع على أطراف الشام من ناحية الحجاز [قريبة من بحيرة قوم لوط] .. اتسمّت بـ مَدْيَن نسبة للقبيلة الي سكنتها , وهم ذرية مَدْيَن بن إبراهيم عليه السلام ..
القرية دي كانت مليانة من خيرات الله ما لا يُعد ولا يُحصى .. كلها زرع وأشجار وأنهار وحاجات كتير بتميّزها
لكن أهلها كانوا كُفار بيعبدوا غير الله ..
وكان فيهم صفة ظاهرة أوي هي إنهم بيغيشوا في المكيال غش مُلفت للنظر وفيه مبالغة وتبجّح لدرجة إن ربنا وصفهم بالصفة دي تحديداً في القرآن .. (وَلاَ تَنقُصُواْ المكيال والميزان إني أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ) .. [آية 84 : سورة هود]
الكيل عموماً هو مُعادلة شيء بشيء .. فلو كنا هنعادل بين حاجتين عن طريق مُقارنة الوزن , يبقى هنحتاج ميزان
إنما لو كنا هنعادل الشيء بالشيء في الكمية يبقى هنحتاج مكيال [ يعني وعاء من خشب أو حديد يُستخدم لـ كيل السوائل أو المواد الجافة] .. بمعنى إن الميزان والمكيال من أدوات الكيل عموماً
“فـ مثلاً” .. كان الي يجي يشتري من عند تاجر من أهل مَدْيَن , يلاقي التاجر ده بيحاسبه على كيلو وهو في الواقع وزن له نص كيلو!
ده معنى إبخاس الناس حقها .. مش بيوّفوهم حقهم .. بيبخسوهم , بينقصوهم , بيظلموهم ظلم بيّن..
_
سيدنا شعيب كان من أهل مدين .. فـ كان المفروض إنه يتبع الوثنية بردو ويعبد الأصنام!
لكنه كان عاقل وواعي , مكنش مقتنع إن شوية حجارة ماتقدرش تحمي نفسها ممكن تكون هي الي خلقت الكون ده كله
كان مُدرك تماماً إن المنطق يتنافى مع كون أحجار نقدر نكسرها بإيدينا تبقى هي الي بتجيب لنا الخير وتبعد عننا الشر!
ومن هنا كان يستحق إن ربنا يختاره يكون من ضمن أنبياءه ويشيل مسؤولية تبليغ الرسالة
سيدنا شعيب كان بيتميز بإنه بليغ القول .. حجته قوية ويقدر يقنعك بالحق بما يوافق العقل والمنطق .. لدرجة إنه تم تلقيبه بـ( خطيب الأنبياء)
_
إبتدا تبليغ الرسالة , و إختلف العلماء هو كان مبعوث لمين ؟ فمنهم الي بيقول بُعث لـ أهل مدين بس , ومنهم الي بيقول بُعث لـ أهل مدين ولأهل البادية الي حواليها
الإختلاف ده سببه إن في آية في القرآن بتقول (كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ ) .. [سورة الشعراء ]
-الآيكة دي شجرة عظيــمة مليئة بالأغصان والألياف المُلتفة عليها , ويُقال هي مجموعة من الأشجار , أو بالأصح بساتين بتتصف إن أشجارها مُلتفة .. فـ طبقاً للآية دي يبقى أصحاب الأيكة بيعبدوا الأيكة , طب أهل مدين بيعبدوا الأيكة ولا بيعبدوا الأصنام ؟ .. ولو بيعبدوا الأصنام أمال مين الي بيعبدوا الأيكة دول ؟
-تاني نقطة إن ربنا لما ذكر أهل مدين قال إن سيدنا شعيب أخوهم , بمعنى إن بينهم صلة نسب وقرابة وإنه من نفس القبيلة (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ) ..[ آية 84 : سورة هود]
لكن لما ذكر أصحاب الأيكة ما استخدمش نفس الربط فماقالش “إذ قال لهم أخوهم شعيب ألا تتقون”!
ومن هنا كان إختلاف العلماء : ..
• الطبري والسعدي وابن كثير فسروا إن أصحاب الأيكة دول هما نفسهم أهل مدين , وإنهم كان جزء منهم بيعبد الأيكة والجزء التاني بيعبد الأصنام
وفصّل ابن كثير قوله بإن ربنا ما ربطش سيدنا شعيب بيهم في الآية دي لإنهم كانوا منسوبين فيها لـ عبادة الأيكة , فـ ماكنش في الي يربطهم بسيدنا شعيب
بينما في آية أهل مدين كانوا منسوبين لـ قبيلة مدين ,الي سيدنا شعيب منها بردو , وإنسابه للقبيلة دي مافيهوش أي إتهام أو إساءة , عشان كدا ربنا ربطه بيهم ووضّح علاقة النسب الي بتجمعهم بـ لفظ “أخاهم”
• أما تفسير القرطبي وابن عاشور كان إن الأيكة دي قرية جنب مدين , وفي الحالة دي هيبقى الاختلاف بينهم في العبادة كمان , لإن أهل مدين بيعبدوا الأصنام بينما أصحاب الأيكة بيعبدوا الأيكة , فـ بُعث سيدنا شعيب بالرسالة للقومين
وفصّل ابن عاشور قوله بإن ده منطقي لإن الرُسل لما بيُبعثوا بيكونوا من أهل المدائن لكن رسالتهم بتشمل القرى المحيطة بالمدينة بتاعتهم
وحكى ابن عاشور إن مَدْيَن بن إبراهيم لما سكن في الأرض الي إتسمت بعد كده بإسمه , كان لاقى هناك ناس بيعبدوا الأيكة , فـ ابتدا يبني هو وأولاده المدينة ويعمّروها , وسابوا البادية لأهلها [الي هما أصحاب الأيكة ] .. المدينة دي إتسمت بعد كده مَدْيَن, فـ بقى أهل مدين ساكنين جنب أصحاب الأيكة , لكن دول في مدينة , ودول في القرية الي جنب المدينة
وإستشهد على كلامه بالآية (وَإِن كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (78) فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ ) .. [سورة الحجر]
فالضمير هنا في كلمة (وإنهما ) ضمير مُثنى عائد على أصحاب الأيكة وأهل مدين
وعن الضمير ده , فـ هنلاقي ابن كثير والقرطبي والطبري تبنّوا فكرة إن الضمير المُثنى هنا عائد على أصحاب الأيكة وقوم لوط .. لإن سياق الكلام كان بيتكلم عن قوم لوط في الآيات السابقة للآية دي

• الواقع إن التفسيرين منطقيين جداً , لكنها مجرد إجتهادات والله أعلى وأعلم بالأصح
_
سيدنا شعيب إبتدا يدعوهم لعبادة الله الواحد .. وإبتدا كمان يوعّيهم بـ خطورة الغش الي هما واقعين فيه .. فـ كان من كمال الرسالة إن الدين مش قضية أولوهية وتوحيد وبس .. ده أسلوب للحياة .. بيراعي كل تفاصيل حياة البشر وبيحافظ لهم على حقوقهم وإتزان حياتهم
قصة سيدنا شعيب بتعرض لنا المعنى دا بكل وضوح .. لإن شعيب عليه السلام بعد دعوة قومه للتوحيد على طول إبتدا يدعوهم للأمانة وإقامة العدل وينهاهم عن الغش في الميزان ( يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُه وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ) .. [آية 84 : سورة هود]
كان بيقنعهم إن المجتمع قائم على التبادل بين السلع ,, فالغش في الميزان بيؤدي لفساد المجتمع كله
الموضوع مش بسيط .. دانت بتأثر على العدالة الإجتماعية
حذرهم إنهم لو فضلوا في غشهم ده وأصرّوا على خطأهم هيتقلب الامر عليهم وهيختل ميزان العدل في عقولهم وقلوبهم ويئذيهم .. عددلهم نِعَم ربنا عليهم .. عشان يثبتلهم إنهم في خير ونعمة فـ مش محتاجين للغش ده
إتمسكوا بـ غشهم في الموازين لإنهم في الاصل كانوا شايفينها شطارة! شايفين إنه دهاء منهم ومهارة في البيع والشراء .. لكن سيدنا شعيب وضّحلهم إن ده سرقة وقلة مروءة ودناءة
كان بيكرر النصيحة عليهم كتير وبجميع الطرق .. فنشوفه مرة بينصحهم بإستخدام النهي عن السلبية [ بإنه في الآية الي فوق قالهم إبعدوا عن إنقاص المكيال والميزان]
ومرة تانية يغيّر الطريقة وينصحهم بإستخدام الحث على الإيجابية .. فيقولهم إعدلوا في الميزان وأعطوا لكل
واحد حقه .. (وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ) .. [ آية 85 : سورة هود]
ونلاحظ التعبير القرآني البليغ في قوله تعالى (وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ)
لفظ “أشياءهم” شامل كل شيء سواء كان مادي أو معنوي .. فـ النهي هنا مش مُقتصر بس على البيع والشراء .. بالعكس ده شامل لجميع جوانب التعامل .. والمعنى إن سيدنا شعيب كان بينهاهم عن الظلم بجميع أنواعه .. المادية والمعنوية كمان .. بيأمرهم باسم الله أن أقيموا العدل في مُعاملاتكم اليومية وفي تعاملاتكم الإنسانية وتصرفاتكم الشخصية ..
ربنا عارف إن الظلم بجميع أنواعه بيسبب للإنسان الإنهزام ويحسسه بالألم واليأس واللامبالاة .. بيحوّل الحياة لغابة تنهار فيها العلاقات والقيم ..
عشان كدا تلاقيه ختم الآية بـ (وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ) .. فساد الأرض الي انت عايش عليها بيبدأ من ظلمك لغيرك أو سكوتك عن ظلم الآخرين ..
تناسق الاية وتدّرجها وإرتباط معانيها بيوضح لنا قمة بلاغة القرآن وقوة حجة سيدنا شعيب
في الآية الي بعدها هنلاقيه بيقولهم (بَقِيَّتُ اللّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ) .. [ آية 86 : سورة هود]
بقية الله إختلفوا في تفسيرها ..
في اللي فسرها إن الباقي الي هيفضل ليكم من بعد ما تعاملوا الناس بالعدل وتوّفوا الميزان , ربنا هيطرح فيه البركة وهيكون أحسن ليكم لإنه حلال
وفي الي فسرها إن طاعة الله هي الي هتجبلكم الخير
وفي الي قال المقصود بيها ما عند الله من رزق ونصيب كتبه لكم
سيدنا شعيب بيختم حواره الهادف بـ إبعاد نفسه تماما عن الموضوع (وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ ) ..
أسلوبه الذكي في النُصح كان تدريجي توضيحي مختوم بـ تذكيرهم إنه مجرد رسول ليهم كل الي عليه يبلغهم الي ربنا أمره بيه .. لكن في الاول والاخر ربنا الي هيحاسبهم .. ربنا الي هيكافئهم أو يعذبهم ..
هو بيّن لهم قد إيه الموضوع خطير وأكدلهم جديّة العاقبة .. وبعدها سابهم قدام العاقبة دي لوحدهم
خلاهم مع ربهم عشان يراجعوا نفسهم .. ويتأكدوا إنه ملوش أي مصلحة في نُصحهم وإنه مش عايز غير مصلحتهم
رغم كل المنطق الي كان بيتكلم بيه سيدنا شعيب .. إلا إنهم إستمروا في العِناد والإعراض
إبتدوا يردوا عليه بـ منطق مختلف تماماً .. قالوله إنت صلاتك أمرتك تخلينا نبعد عن الآلهة الي طول عمرنا بنعبدها أباً عن جد؟! .. كان سؤالهم مليان سخرية وإستخفاف بل وإندهاش!
إيه الجرأة الي من شعيب دي! أو بالأصح إيه الجرأة الي من صلاة شعيب دي! .. [ نلاحظ هنا إنهم إختصروا الدين كله في الصلاة .. أهمية الصلاة هي أكتر حاجة مابتتغيرش في كل الأديان وعلى مر الزمان
الصلاة في العموم المقصود بيها الصلة بين العبد وربه .. فـ صفتها بتختلف من دين لآخر .. لكنها في كل الشرائع أهم الأركان .. هي الصلة , هي العمود , هي أساس الدين
وعندنا في الإسلام الأركان 5 , لكن لو فصّلناهم هنلاقي إن الشهادة ممكن ماتقولهاش غير مرة واحدة في حياتك , الزكاة ممكن تلاقي الي معهوش فلوس يزكّي , الصيام ممكن الانسان يمرض فيسقط من عليه الصوم , الحج للمُستطيع فقط
ماعدا الصلاة .. هي الوحيدة الي لا تسقط عن المسلم مهما كانت الظروف .. لدرجة إنك حتى لو وصل بيك المرض لشلل عام في الجسد كله .. يُفتى لك بالصلاة بالعين ! تصلي بحركة الرموش بس ! ولو عجزت حتى عن ذلك .. يبقى تصلي بقلبك!
فأياً كانت المُسببات , مفيش أي مُبرر لـ ترك الصلة بينك وبين ربك الي بتظهر فيها ولائك لله كل يوم 5 مرات .. ومن هنا جت أحاديث كتيـر عن أهميتها فـ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
“العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة ، فمن تركها فقد كفر “
“ إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة”
“أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإذا صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر”
المقصود بالكفر في الأحاديث دي هو حكم الي بيترك الصلاة من باب الجحود والإنكار لـ وجوبها
أما لو كان المسلم مُعترف بـ وجوب الصلاة لكن مابيصليش من باب الكسل , فـ الراجح من قول أهل العلم إن ده مايبقاش كافر , لكنه لازم يتم تنبيهه وتذكيره ولازم يفوق من عصيانه لإن كل صلاة بيسيبها هيرجع يصليها على الصراط المستقيم! وساعتها هتبقى الصلاة كما أُنزلت , بهدوء وتأني وإطمئنان .. غصب عنه هيصلي على شعرة حــادة من نار , فوق نار , وبكل أركان الصلاة السليمة من غير سرعة أو إستعجال
صلاتنا في الدنيا تثبيت لـ ولاءنا وإختبار لـ نوايانا وطاعة لـ خالقنا رغم المكاره
صلاتنا في الآخرة هتبقى عقاب على تقصيّرنا وإستخفافنا
لكن زي ما إتعودنا مفيش حاجة غير وليها حكمة .. وفي موضوع الصلاة بالتحديد مش حكمة واحدة دي حِكَم كتير , لكن أبسطها وأعظمها في نفس الوقت إننا لو اخدنا بالنا هنلاقي الصلاة هي الركن الوحيد الي بيتحقق فيه جميع الأركان الباقية
فإنت بتنطق الشهادتين في كل صلاة
في الزكاة بتضحي بالمال , والمال ده لازم يكون من عملك الخاص , والعمل ده مابيجيش غير بقضاء بعض الوقت فيه , بمعنى إن العمل فرع من الوقت .. أما في الصلاة فإنت بتضحي بالوقت نفسه .. فـ كانت دائرة الوقت أوسع من دائرة الزكاة زي ماقال شيخنا الشعراوي
في الصيام إنت بتحرم نفسك من شهوتين هما البطن والفرج , بينما في الصلاة إنت بتحرم نفسك من كل الشهوات حتى الي مسموح بيها في الصيام ..
في الحج إنت بتتجه لبيت الله الحرام .. وفي كل صلاة إنت فعلا بتتجه لبيت الله الحرام .. ]
_
كمل أهل مدين كلامهم وإستهانتهم , قالوله لا والأكتر من كده صلاتك بتتدخل في إرادتنا وبتورينا إزاي نتصرف في أموالنا !!
إيه علاقة الصلاة والإيمان الي انت بتدعو ليهم بالمعاملات المادية!
سألوه السؤال ده وهما فاكرين نفسهم كده بيعجّزوه وبيحطوه قدام تساؤل مايقدرش يرد عليه! فتحوا قضية إنفصال الدين عن الحياة وإبتعاده عن سلوك الإنسان وتعاملاته الاقتصادية والاجتماعية
ماكانوش قادرين يفهموا إن الحياة لا تستقيم إلا بتطبيق الدين .. أنكروا حقيقة إن أخلاق الدين وأوامره هي الأساس الي بتزدهر بيه حياة الناس
ختموا كلامهم بـ المزيد من الإستهزاء .. قالوله بقى انت الي عامل فيها حليم ورشيد وبنقول عليك عاقل وصاحب منطق وفِكر ! مانت لو كانت كل الصفات دي فيك مكنتش قولت الي انت قولته!
(قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ)
رغم الهجوم ده كله والسخرية الصريحة دي كلها
إلا إن سيدنا شعيب كان واثق إنه على حق .. رد فعله كان هادي ولطيف وبكل ود ولين .. ما إهتمش بسخريتهم , ما علقش على إتهاماتهم .. تجاوز الكلام ده كله لإنه أكبر من الإلتفات ليه أو المبالاة بيه
رد عليهم إنه ملوش أي مصلحة من دعوتهم .. هو نبي مبعوث ليهم بالهدى ومش عايز غير مصلحتهم .. وضّحلهم إن ربنا رزقه علم ومعرفة ونبوة , وبارك ليه في ماله ورزقه لإنه حلال .. فـ هو مش بينهاهم عن حاجة علشان يعملها هو أو يحقق منها إستفادة شخصية .. مش بيقولهم أقيموا العدل والأمانة علشان يستفيد هو ويفضاله السوق فيغش لوحده في الميزان ! .. (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ)
قال جملة واحدة مختصرة وبليغة (إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ) .. كل هدفه في الموضوع هو الإصلاح ..
هي دي دعوة الأنبياء في الأساس .. هو ده مضمونها الحقيقي .. هما مبعوثين للإصلاح .. مصلحون للعقول والقلوب , للحياة العامة والحياة الخاصة..
وكـ عادة الأنبياء والصالحين .. مهما كانت درجة صلاحهم وعقلهم وجمال نواياهم وأفعالهم .. إلا إنهم مابينسبوش أي شيء حلو فيهم لنفسهم .. فـ كان ختام كلام سيدنا شعيب هو إنساب التوفيق كله لله .. بمعنى إن لو ربنا وفقّه و حد منهم إهتدى على إيديه , فـ الفضل مش ليه , الفضل لربنا هو الي هداه وهدى بيه .. قال انا واثق في ربنا ومتوّكل عليه ومفوّضله أمري .. (وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ )
أُنيب يعني أُقبل عليه بالطاعة , وأرجع إليه بالتوبة .. وقيل المُراد أرجع إليه في الآخرة .. وقيل المقصود بيها الدعاء
كان في تحذيره ليهم بيستشهد بأحداث واقعية ,, فـ فكرّهم بقوم نوح لما غرّقهم الطوفان , قالهم ماتنسوش قوم هود والي حصلهم , إفتكروا ثمود والي شافوه , ده عذاب قوم لوط مش بعيد عننا لا مكاناً ولا زماناً ..
عرضلهم مصائر الأقوام الهالكة من قبلهم علشان يتعظوا .. قالهم ماتخلوش عداوتكم ليا وكرهكم للرسالة الي انا مبعوث بيها يخليكم تزدادوا عِند وإصرار على الضلال , بصوا حواليكم هتلاقوا ربنا سايبلنا آثار الظالمين من بعدهم عشان تبقالنا عبرة .. (وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ) .. [ آية 89 : سورة هود]
منطقه وقوة حجته خلّت أهل مدين ينقسموا لفريقين
فريق آمن بسيدنا شعيب .. ودي كانت الأقلية الضعيفة
وفريق كفر وأعرض وأصرّ على أفعاله .. ودي كانت الأغلبية القوية من كبراء القوم

الأغلبية ماسبهوش في حاله .. ما إكتفوش إن الي آمنوا بيه قليلين وضعفاء مفيش في إيديهم حيلة .. دول كمان هددوه وحاولوا يخوّفوه .. قالوله لولا إن معاك ناس من أهل مدين كنا طردناك (قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ)
تصرفهم لا يدل غير على خوف كاتمينه .. صوت الحق دايما مُنتصر ولو بعد حين .. وهما عرفوا إنه على حق رغم إنكارهم وعدم إعترافهم ..
سيدنا شعيب إستمر في هدوءه وأسلوبه الليّن .. حاول يصحّي عقولهم ويبيّنلهم خطأهم في التقدير , قالهم معقول الناس الي معايا أعز في قلوبكم من خالقي وخالقكم ؟! معقول تجاهلتم الهدى والرسالة ورميتوها ورا ظهركم ؟ .. فكرّهم إن ربنا العالم بأفعالهم عشان يحذّرهم إنهم هيتجازوا عليها .. (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) .. [آية 93 : سورة هود]
_
لما إبتدا ييأس منهم ..إستمر في ثباته وحَب يأكدلهم ثقته بإنه على حق .. قالهم براحتكم .. خليكم في طريقكم وخلوني في طريقي .. وهنشوف في الآخر مين هيجيله العذاب المُهين , والي كذب هيعرف كذبه وإنه كان على خطأ , إنتظروا اليوم ده وأنا كمان هنتظره معاكم .. إنتوا هتستنوا العذاب وانا مستني الرحمة والنصر من ربي
(وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ( .. [آية 93 : سورة هود]
كلامه كان تهديد بيثبتلهم فيه عكس إعتقادهم الي قالوه بـ إنه ضعيف وسطهم ! .. لأ بالعكس ده قوي وبيهددهم وواثق في تهديده , قوته مُستمدة من قوة الي باعته بالرسالة ومأيده من فوق سابع سما , بيأكدلهم إنه ضامن النصر من ربه ومستنيه .. وضامن الخزي للي مش هيتبعه الهدى

هما قابلوا التهديد بالإستهتار والتحدّي ! .. قالوله لو كنت صادق خلّي ربك يبعتلنا العذاب من عنده! , نزّل علينا حتة من السما !
)فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِّنَ السَّمَاءِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) .. [آية 187 : سورة الشعراء]
و زادوا التحدّي بالتهديد فقالوا لـ سيدنا شعيب والي معاه : يا إما ترجعوا لعبادة آلهتنا يا إما هنطردكم (قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا)
الغريب في الموقف إن سيدنا شعيب كان أقلية ضعيفة .. والقوم كانوا أكثرية قوية .. ورغم ذلك كانت دعوة سيدنا شعيب باللين والهدوء ودعوتهم بالقوة والتهديد
إزاي حد “يُفترض” يكون في موقف ضعف نلاقيه هادي وواثق في دعوته .. وإزاي ناس “يُفترض” يكونوا في موقف قوة نلاقيهم بيهددوا ويتوّعدوا ؟!
الفرق الوحيد هو الحق .. الطرف الي فيه الحق بيكون واضح .. بيكون ثابت .. بيكون عارف إن الحق هيتحقق ولو بعد حين .. فـ مش محتاج يهدد , مفيش داعي يتوّعد .. متأكد إن معاه القوة الي هيكونلها الغلَبة في النهاية ..

رفض النبي واللي آمنوا معاه , رفض منطقي غير قابل للتراجع , إزاي نتخلى عن الهدى بعد ما ربنا هدانا , إزاي نرجع للضلال بعد ما لمسنا حلاوة الإيمان .. (قَالَ أَوَ لَوْ كُنَّا كَارِهِينَ قَدْ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا)
هنا كانت دعوة سيدنا شعيب لـ ربه (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ)

_
إبتدا العقاب , وبدل الواحد شافوا 3 أنواع من العذاب , فـ كان أول الي شافوه هو نفس العذاب الي طلبوه ..
ربنا بعتلهم حر شديـد محدش يستحمله , لدرجة إن الدنيا إنكتمت وإختنقوا ومابقوش عارفين يتنفسوا كويس فـ خرجوا من البيوت يدوروا على أي نسمة هوا , لاقوا غيــمة كبيــــرة في السما جاية عليهم, أظلتهم فـ إستبشروا .. وإتجمعوا كلهم تحتها وإبتدوا ينادوا بعض عشان يستظلوا بظلها ويترجّوا بردها
فلما إجتمعوا تحتها مطّرت شرار من نار ولهب ! .. أصابهم فـ أذاهم وأحرقهم [ وهو ده الي بنسميه عذاب يوم الظلة] .. (فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) .. [آية 189 : سورة الشعراء]
وبعدها سمعوا صوت قوي جداً من السماء , صوت يخترق القلوب من شدته [ وهي دي الصيحة] .. (وَأَخَذَتِ الذين ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ) .. [آية 94 : سورة هود]

والمرحلة التالتة كانت إهتزاز جــامد جداً من الأرض [ وهي دي الي القرآن سماها الرجفة ] .. (فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [آية 91 : سورة الأعراف ]
من بلاغة الوصف القرآني إنه أخبرنا أنواع العذاب الي نزل على أهل مدين على حسب سياق الآيات
• ففي سورة الشعراء كان طلبهم هو العذاب من السماء , فـ ذكر فيها عذاب يوم الظلة
• في سورة هود كان كلامهم لـ سيدنا شعيب فيه إستهزاء بصلاته وبأوامر ربه , فـ ذكر فيها الصيحة كـ نوع من الزجر والصراخ في وجوههم عقاباً لهم على الي نطقوه في حق الرسول الكريم
• في سورة الأعراف كان تهديدهم لسيدنا شعيب إنهم هيطردوه من البلد , حاولوا إرجافه وإخافته هو ومن معه من المؤمنين , فـ ذكر العذاب المناسب وهو الرجفة

أما مصير سيدنا شعيب والمؤمنين الي معاه فـ كان النجاة بطبيعة الحال
القدرة الإلاهية هي القدرة الوحيدة الي ممكن تنجّي أشخاص بعينهم وتحميهم من عذاب واقع على كل القرية الي هما فيها .. وهو ده الي حصل لـ سيدنا شعيب والي معاه .. (وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مَّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (94) كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا أَلاَ بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ) .. [سورة هود]
بس إشمعنى كما “ بَعِدَتْ ثمود” ؟
قال ابن عباس : ما أهلك الله أمتين بعذاب واحد إلا قوم صالح وقوم شعيب ، أهلكهم الله بالصيحة ; غير أن قوم صالح أخذتهم الصيحة من تحتهم ، وقوم شعيب أخذتهم الصيحة من فوقهم .

موقع مصري

صور حزينه

صور اطفال

صور

صورة

الصور

صور حب

صور بنات

نكت مضحكة

نكت

رسائل حب

كلام حب

قصص

قصص اطفال

صور رومانسية

صور رومانسيه